أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

391

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

705 - أتهجوه ولست له بكفء * فشرّكما لخيركما الفداء « 1 » وقد علم أن الرسول خير له . قوله : مِنَ اللَّهِ في « من » أربعة أوجه : أحدها : أنها متعلقة ب « كنتم » ، وذلك على حذف مضاف أي : كنتم من عباد اللّه شهادة عنده . الثاني : أن تتعلق بمحذوف على أنها صفة لشهادة بعد صفة ، لأن « عنده » صفة لشهادة ، وهو ظاهر قول الزمخشري فإنه قال : و « من » في قوله : « شهادة من الله » مثلها في قولك : هذه شهادة مني لفلان إذا شهادت له ، ومثله بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ « 2 » . الثالث : أنها في محل نصب على الحال من المضمر في « عنده » يعني من الضمير المرفوع بالظرف لوقوعه صفة ، ذكره أبو البقاء . الرابع : أن يتعلق بذلك المحذوف الذي تعلق به الظرف وهو « عنده » لوقوعه صفة ، والفرق بينه وبين الوجه الثاني أن ذاك له عامل مستقل غير العامل في الظرف . قال أبو البقاء : ولا يجوز أن تعلق « من » بشهادة لئلا يفصل بين الصلة والموصول بالصفة ، يعني أن « شهادة » مصدر مؤول بحرف مصدري وفعل ، فلو علقت « من » بها لكنت قد فصلت بين ما هو في معنى الموصول ، وبين أبعاض الصلة بأجنبي ، وهو الظرف الواقع صفة لشهادة ، وفيه نظر من وجهين أحدهما : لا نسلم أن « شهادة » ينحلّ لموصول وصلته ، فإن كل مصدر لا ينحل لهما . والثاني : سلمنا ذلك ، ولكن لا نسلم والحالة هذه أن الظرف صفة بل هو معمول لها فيكون بعض الصلة لا أجنبيا حتى يلزم الفصل به بين الموصول وصلته ، وإنما كان طريق منع هذا بغير ما ذكر ، وهو أن المعنى يأبى ذلك . وكتم يتعدى لاثنين ، فأولهما في الآية الكريمة محذوف تقديره : كتم الناس شهادة ، والأحسن من هذه الوجوه أن تكون « من اللّه » صفة لشهادة ، أو متعلقة بعامل الظرف لا متعلقة بكتم ، وذلك أن كتمان الشهادة مع كونها مستودعة من اللّه عنده أبلغ في الأظلمية من كتمان شهادة مطلقة من عباد اللّه . وقال في « ريّ الظمآن » : في الآية تقديم وتأخير ، والتقدير : ومن أظلم من اللّه ممن كتم شهادة حصلت له كقولك : ومن أظلم من زيد من جملة الكاتمين للشهادة ، والمعنى : لو كان إبراهيم وبنوه يهودا أو نصارى ثم إن اللّه كتم هذه الشهادة لم يكن أحد ممن يكتم الشهادة أظلم منه ، لكن لما استحال ذلك مع عدله وتنزيهه عن الكذب علمنا أن الأمر ليس كذلك . قال الشيخ « 3 » : وهذا متكلف جدا من حيث التركيب ، ومن حيث المدلول : أما التركيب فإن التقديم والتأخير من الضرائر عند الجمهور ، وأيضا فيبقى قوله : « ممن كتم » متعلقا إما بأظلم فيكون ذلك على طريق البدلية ، ويكون إذ ذاك بدل علم من خاص ، وليس بثابت ، وإن كان بعضهم زعم وروده ، لكن الجمهور تأولوه بوضع العام موضع

--> ( 1 ) تقدم . ( 2 ) سورة التوبة ، آية ( 1 ) . ( 3 ) البحر المحيط ( 1 / 416 ) .